ابو القاسم عبد الكريم القشيري
25
لطائف الإشارات
أي أن الذي أكرمك بإنزال القرآن عليك هو الذي بحفظك عن الأسواء والأعداء وصنوف البلاء . قوله جل ذكره : [ سورة النمل ( 27 ) : آية 7 ] إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ( 7 ) سار موسى بأهله من مدين شعيب متوجها إلى مصر ، ودجا عليه الليل ، وأخذ امرأته الطّلق وهبّت الرياح الباردة ، ولم يور الزّند ، وضاق على موسى الأمر ، واستبهم الوقت ، وتشتتت به الهمة ، واستولى على قلبه الشغل . ثم رأى نارا من بعيد ، فقال لأهله : امكثوا إنّى أبصرت نارا . وفي القصة : إنه تشتت أغنامه ، وكانت له بقور وثيران تحمل متاعه فشردت ، فقالت امرأته : كيف تتركنا وتمضى والوادي مسبع ؟ ! . فقال : امكثوا . . فإني لأجلكم أمضى وأتعرف أمر هذه النار ، لعلّى آتيكم منها إمّا بقبس أو شعلة ، أو بخبر عن قوم نزول عليها تكون لنا بهم استعانة ، ومن جهتهم انتفاع . وبدت لعينه تلك النار قريبة ، فكان يمشى نحوها ، وهي تتباعد حتى قرب منها ، فرأى شجرة رطبة خضراء تشتعل كلّها من أولها إلى آخرها ، وهي نار مضيئة ، فجمع خشيبات وأراد أن يقتبس منها ، فعند ذلك سمع النداء من اللّه لا من الشجرة كما توهّم المخالفون من أهل البدع . وحصل الإجماع أنّ موسى سمع تلك الليلة كلام اللّه ، ولو كان النداء في الشجرة لكان المتكلم به الشجرة ، ولأجل الإجماع قلنا : لم يكن النداء في الشجرة « 1 » . وإلا فنحن نجوّز أن يخلق اللّه نداء في الشجرة ويكون تعريفا ، ولكن حينئذ يكون المتكلم بذلك الشجرة .
--> ( 1 ) أي أنه على هذا الرأي كلام غير مخلوق ، لأن كلام اللّه صفته ، وصفته - سبحانه - غير مخلوقة . . وهذا هو نفس الرأي بالنسبة للقرآن ، وهذا هو الجواب الذي دحض به السلف زعم الجهمية حينما أرادوا أن يثبتوا أن القرآن مخلوق ، لأن القرآن شئ ، « واللّه خالق كل شئ » ( انظر مدارج السالكين لابن القيم ج 1 ص 222 ) فيكون النداء الذي سمع من الشجرة كالكلام الذي بين دفتي المصحف . . كلاهما كلام اللّه - على الحقيقة ، ولكن من حيث التجوز في التعبير يقال ( في الشجرة ) و ( في المصحف ) .